عبد السلام احمد الراغب

26

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ : إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير » « 28 » . والفرق واضح بين الجاحظ والجرجاني في مفهوم الصورة ، فالجاحظ يعتبر الشعر ضربا من التصوير ، بينما الجرجاني يعتبر الشعر تصويرا كله ، لأن التصوير عند الجرجاني هو الهيئة التي تتشكل فيها المعاني حقيقية أو مجازية . وتصوير المعاني يعني نظمها على هيئة مخصوصة . ويهدف الجرجاني من ربطه الصورة بالسياق اللغوي أن يقضي على الثنائية بين اللفظ والمعنى ، وما أثير من جدل نقدي حول تفضيل أحدهما على الأخر . فاختار الجرجاني اسما بديلا لهما هو « صور المعاني » ويعني بها الصورة التي تتشكل فيها المعاني . ويعرض الجرجاني للأنواع البيانية كالتشبيه والاستعارة والكناية ، في كتابه « دلائل الإعجاز » ليثبت أن جمال هذه الأنواع لا يرجع إلى حسن ألفاظها وإنما يرجع إلى أنها « صور للمعاني » « 29 » . ويتوسّع الجرجاني في مفهوم الصورة ، فيرى أنها متعددة العناصر ، فقد تعتمد على الأنواع البيانية المعروفة ، وقد تعتمد على أشكال أخرى ، كالتقديم والتأخير أو القصر أو الخبر أو الإنشاء ونحو ذلك « 30 » ، ولكن الجرجاني يعتبر الأنواع البيانية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة . أهم عناصر الصورة المكوّنة لها ، فهي الأصول التي تدور المعاني حولها ، وإليها يرجع محاسن الكلام غالبا يقول : « فإنّ هذه أصول كبيرة كان جلّ محاسن الكلام - وإن لم نقل كلها - متفرعة عنها وراجعة إليها ، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها وأقطار تحيط بها من جهاتها » « 31 » ، فالجرجاني لا يحصر الصورة في الأنواع البيانية المعروفة ، وإنما يتوسّع في مدلولها ، ويجعلها إطارا عاما تتشكّل فيه المعاني ، وتظهر فيه كل الأساليب الفنية بيانية وغير بيانية « 32 » . ويخصّص الجرجاني كتابه « أسرار البلاغة » للحديث عن عناصر تشكيل الصورة مثل التشبيه والاستعارة والتمثيل كما خصّص « دلائل الإعجاز » لربط الصورة بالصياغة أو النظم

--> ( 28 ) دلائل الإعجاز : ص 508 . ( 29 ) المصدر السابق : ص 264 - 265 . ( 30 ) الصورة بين القدماء والمعاصرين : ص 26 . ( 31 ) أسرار البلاغة : عبد القاهر الجرجاني . ص 20 . ( 32 ) الصورة بين القدماء والمعاصرين : ص 32 .